بدأت الحكاية أثناء رحلة البحث في كتاب فن الصمت.
كان الأمر في بدايته مجرد محاولة لفهم الصمت بوصفه سلوكًا إنسانيًا ولغة نفسية وحالة شعورية، لكن الطريق قاد الكاتب إلى منطقة لم يكن يتوقع الدخول إليها: الصمت الديني والعقائدي… ومنه، وبمحض المصادفة، إلى عالم الصوفية.
هناك ظهر التناقض المدهش.
كيف يمكن لعالمٍ يمتلئ بالذكر، والإنشاد، والحركة، والطقوس، أن يُخفي في داخله كل هذا الصمت؟
كيف يسكن الهدوء قلب الضجيج؟
وكيف يمكن للصمت أن يكون حاضرًا حتى وسط الصياح والدقّ والابتهالات الجماعية؟
من هنا بدأت رحلة مختلفة؛ رحلة لم تكن بحثًا في التاريخ الصوفي بقدر ما كانت محاولة لاكتشاف “الصمت المختبئ” داخل التجربة الصوفية نفسها. رحلة بين الطرق، والأوراد، والخلوات، والوجوه، والأسفار الداخلية، بحثًا عن معنى ذلك الصمت، وطبقاته، ودرجاته، وتحولاته من صمت اللسان… إلى صمت النفس… إلى صمت الروح.
لكن المفارقة الكبرى أن الرحلة انتهت إلى اكتشاف لم يكن متوقعًا:
لم يعد السؤال هو “ما صمت الصوفية؟”
بل “ما صوفية الصمت؟”
فالكتاب لا يحاول تقديم الصوفية كطقوس أو كمعرفة دينية مغلقة، بل كرحلة إنسانية عميقة نحو السكينة، والتخفف، والإصغاء لما لا يُقال. إنه كتاب عن ذلك الصمت الذي لا يعني الفراغ… بل الامتلاء الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُثبت وجوده.